أحمد بن محمد مسكويه الرازي
216
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
من اتفق له في صباه ان يأنس بالشريعة ويستسلم لها ، ويتعود جميع ما تأمره به ، حتى إذا بلغ المبلغ الذي يمكنه به ان يعرف الأسباب والعلل طالع الحكمة ، فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به ، فاستحكم رأيه ، وقويت بصيرته ، ونفذت عزيمته . 6 - الزيادة في الفضيلة وها هنا مسألة عويصة أشدّ من الأولى ؛ وهو ان التفضّل شيء محمود جدا ، وليس يقع تحت العدالة لأن العدالة كما ذكرنا مساواة ، والتفضل زيادة . وقد حكمنا ان العدالة تجمع الفضائل كلها ولا مزيد عليها ، بل يجب أن تكون الزيادة عليها مذمومة ، كما أن النقصان عنها مذموم ، ليكون شرف الوسط الذي تقدم وصفه في سائر الاخلاق حاصلا للعدالة . فالجواب عنها ان التفضل احتياط يقع من صاحبه في العدالة ليأمن به وقوع النقص في شيء من شرائطها ، وليس الوسط في كلا الطرفين من الاخلاق على شريطة واحدة . وذلك ان الزيادة في باب السخاء إذا لم تخرج إلى باب التبذير أحسن من النقصان فيه وأشبه بالمحافظة على شرائطه ، فتصير كالاحتياط فيه والأخذ بالحزم فيه . واما العفة فان النقصان من الوسط فيها أحسن من الزيادة عليه ، وأشبه بالمحافظة على شرائطه وأبلغ في الاحتياط عليه وأخذ الحزم فيه ، ومع ذلك فليس يستعمل التفضل الا حيث تستعمل العدالة ، وأعني بذلك ان من أعطى ماله من لا يستحق شيئا منه وترك مواساة من يستحقه لا يسمى متفضلا بل مضيعا ، وانما يكون متفضلا إذا أعطى من يستحق كل ما يستحق ثم زاده تفضلا ، وهذه الزيادة ليست من الزيادة التي ذكرناها في باب السخاء ، لأن تلك الزيادة ذهاب إلى الطرف الذي يسمى تبذيرا